الشريف الرضي

193

تلخيص البيان في مجازات القرآن

أَولَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيّأُ ظِلالُه عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه وهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) وقوله سبحانه : * ( أَولَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُه عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائِلِ ) * [ 48 ] . وهذه استعارة . لأن المراد بها رجوع الظلال من موضع إلى موضع . والظلال على الحقيقة لا تتفيأ ولا تنقل ، وإنما ترد الشمس عليها ، ثم ترجع إلى ما كانت عليه ، بعد أن تزول الشمس عنها ، والشمس هي المتنقلة عليها ، والظلال قائمة بحالها . ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) وقوله تعالى في صفة النحل العسّالة : * ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) * [ 69 ] . وفى هذه الآية استعارتان : إحداهما قوله تعالى : * ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ) * ، على قول من جعل ذللا حالا للسّبل ، لا حالا للنحل . والذّلل : جمع ذلول ، وهى الطرق الموطَّأة للقدم ، السهلة على الحافر والمنسم ، تشبيها لها بالإبل الذلل ، وهى التي قد عوّدت الترحل ، وألفت المسير . والاستعارة الأخرى قوله سبحانه : * ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه ) * والمراد بذلك العسل . والعسل عند المحققين من العلماء غير خارج من بطون النحل ، وإنما تنقله بأفواهها من مساقطه ومواقعه من أوراق الأشجار ، وأضغاث النبات . لأنه يسقط كسقوط الندى في أماكن مخصوصة ، وعلى أوصاف معلومة ، والنحل مهملة تتبع تلك المساقط ، وتعهد تلك المواقع ، فتنقل العسل بأفواهها إلى كواراتها « 1 » المواضع « 2 » المعدّة لها . فقال سبحانه : * ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ) * والمراد من جهة بطونها . وجهة بطونها : أفواهها . وهذا من غوامض هذا البيان ، وشرائف هذا الكلام .

--> ( 1 ) الكوارات بضم الكاف وتشديد الواو جمع كوارة ، وهى بيت يتخذ للنحل من القضبان أو الطين تأوى إليه . أو هي عسلها في الشمع . ( 2 ) هكذا بالأصل ولعلها « والمواضع » بواو عاطفة .